Friday, September 7, 2012

حاسوب المستقبل


سننطلق من المعطيات العلمية الحالية لرسم ملامح حاسوب المستقبل. أولاً يجب الإشارة إلى أطروحة Church التي تقول أنه من الممكن محاكاة اي حاسوب فيزيائي (سواء كان إلكتروني أو ميكانيكي أو حتى بيولوجي مثل الخلايا ودماغ الإنسان) با
ستخدام آلة تورينغ بكفاءة (بغض النظر عن المعنى الدقيق لكلمة كفاءة). ما يهمنا في هذه المقالة هو ما يتعلق بدماغ الإنسان. تجدر الملاحظة أن هذه أطروحة وليست نظرية رياضية، بمعنى أنه لايوجد برهان رياضي لهذه النظرية. وقد نجت هذه الأطروحة من عدة محاولات لنقضها. الأمر الذي أدى إلى انتشارها وجعلها محلاً للثقة.

نقول عن أي وسط فيزيائي أنه “حاسوب” إذا تمكنا من إجراء عمليات حسابية عليه. فمثلاً لو افترضنا وجود عالم ما وهمي يحوي جميع الأرقام. ولكل رقم من هذه الأرقام ترميز. إذا أدخلنا ترميز رقمين إلى جهاز ما وقام هذا الجهاز بإخراج ترميز الرقم الناتج عن مجموعهما، نقول أن هذا الجهاز يقوم بعملية جمع. ترمز الأرقام في الحواسيب الحالية باستخدام التيار الكهربائي (مرور التيار الكهربائي أو عدم مروره ضمن الخلايا الكهربائية) ، والوسط الفيزيائي المستخدم للحساب هو وسط إلكتروني. هل هذه هي الطريقة الوحيدة لحساب مجموع عددين؟ الجواب هو لا، فمثلاً يمكن القيام بعملية الجمع عن طريق وسط ميكانيكي مثل (العدادة)، ويتم ترميز الأرقام باستخدام “الخرز” حيث يرمز لكل رقم بعدد من الخرزات مساوية للرقم. أو باستخدام القلم والورقة. وتوجد طريقة أخرى هي دماغ الإنسان (وسط بيولوجي)، حيث يتم ترميز الأرقام داخل دماغ الإنسان بترميزات بيولوجية وكهربائية. إذاً اختلاف الأوساط التي تتم عليها العمليات الحسابية لا تعني اختلاف العملية الحسابية ذاتها. ويمكن النظر إلى العمليات الحسابية بشكل عام وفق ثلاث طبقات: الطبقة الأولى التي تحوي “المعاني”، والطبقة الثانية التي تحوي “ترميزات” تلك المعاني بشكل موافق للطبقة الثالثة “الوسط الحسابي” والذي يمكن أن يكون وسطاً إلكترونياً أو بيولوجياً أو غير ذلك.

وبالتالي يمكن النظر إلى دماغ الإنسان وكأنه حاسوب “بيولوجي” فائق التعقيد. وبالعودة إلى أطروحة Church التي تقول أنه يمكن محاكاة اي حاسوب (بغض النظر عن الوسط الفيزيائي) باستخدام آلة تورينغ. نجد أنه من الممكن “نظرياً” بناء حاسوب يتمتع بقدرات العقل البشري الحسابية. ومن الضروري جداً التأكيد على كلمة حسابية. أنا لا أقول أنه من الممكن بناء حاسوب له إرادة! أو بناء حاسوب يتمتع بالمشاعر (يمكن محاكاة المشاعر، أما الشعور بحد ذاته فهذا موضوع آخر). الذي اتحدث عنه هنا هو فقط قدرات العقل البشري الحسابية. طبعاً هذا ضمن المعطيات العلمية الحالية.

إذاً من الممكن – نظرياً – بناء حاسوب ذو إمكانيات حسابية تشابه العقل البشري. بعبارة اخرى. يمكن ان نفترض أن الحاسوب الذي نتحدث عنه يملك دماغاً! دماغ الإنسان متصل بأعضائه مثل الأذرع والأقدام (حركة) والحنجرة (إصدار صوت). ودماغ الحاسوب سيكون مرتبطاً بأداة إظهار مثل الشاشة. وأداة توليد للصوت. إذاً نحن نتعامل مع جهاز يختلف عن الأجهزة الحالية. فهو يشبه إنسان من ناحية القدرات الحسابية ولكن بدلاً من أن يملك أذرع فإنه يملك “شاشة”! ويستخدم ذلك الدماغ لتحديد الإظهارات التي ستظهر على تلك الشاشة.

والسؤال الذي يطرح نفسه، كيف سيمكن برمجة مثل ذلك الجهاز؟ لتوضيح ذلك الأمر سننظر إلى مثال بسيط يتكون من شخصين (مدير وموظف). يريد المدير من الموظف أن يقوم بتنفيذ بعض المهام. هل يتعامل المدير مع الموظف بمنطق صوري رياضي (Formal)؟ بمعنى آخر هل سيعطي المدير الموظف تعليمات هي اشبه ما تكون بعبارات برمجية مثلاً (بالمعنى المتداول حالياً)؟ إن هذا المثال يوضح سبب استخدام العبارات المنطقية الرياضية أو الرموز في برمجة الحواسيب. فحواسيب الوقت الحاضر لا تتمتع بالقدرات الحسابية التي يتمتع بها الإنسان. ويجب توضيح هذه العبارة.
يمكن للحواسيب حالياً أن تقوم بالعديد من العمليات بشكل أسرع بكثير من الإنسان. إلا أن ذلك لا يعني أن هذه الحواسيب تفوق قدرات الإنسان الحسابية. إذ بالرغم من سرعتها الفائقة إلا أنها لم تتمكن من التغلب على بطل العالم في الشطرنج مثلاً إلا مؤخراً. الأمر الذي يفرض علينا أن نتساءل عن الفرق بين الدماغ البشري والحاسوب. يمكن ان يساهم علم الحاسوب (Computer Science) في تفسير ذلك. فقد ساهم هذا العلم أيضاً بشكل كبير في تقدم العديد من العلوم الأخرى، ليس فقط عن طريق تقديم خدمات حسابية، وإنما أيضاً عن طريق تقديم تصورات أو نماذج محتملة. فمثلاً لم يكن اكتشاف الDNA مفاجأة علمية. فقد ذكر واتسون (مكتشف الDNA) في مذكراته أن هذه الفكرة - فكرة وجود ما يشبه DNA في الخلايا – مصدرها كتاب “سر الحياة” لشرودنغر الذي كان يعتقد بضرورة وجود آلية تسمح بالقيام بعمليات “حسابية” ضمن الخلايا. وحالياً، وبعد دراسة نماذج أولية عن الحاسوب الكمي (Quantum Computer) ظهرت دراسات تقترح وجود آلية مشابه في دماغ الإنسان. هذه الدراسة تقترح وجود ما يسمى Quantum Box في دماغ الإنسان، حيث يعمل دماغ الإنسان وفق نمطين: نمط كلاسيكي مشابه للحواسيب الموجودة حالياً، ونمط كوانتي يتعلق بالمسائل الصعبة. من الجدير بالذكر أن هذه النماذج لا تزال نظرية، بمعنى أنه لم يتم التأكد حتى الآن من وجود هذه الآلية في دماغ الإنسان. بالرغم من وجود عدة أدلة تجريبية تؤكد وجود هذه الآلية. ويعود السبب في ذلك إلى أن هذه الدراسة تتطلب أن يجتمع في الباحث خبرة في العلوم البيولوجية وخبرة بميكانيك وفيزياء الكم. إذاً فالفرق بين دماغ الإنسان والحاسوب لا يعتمد فقط على سرعة إجراء العمليات الحسابية بقدر ما يعتمد على “بنية” دماغ الإنسان.

وبالعودة إلى موضوع برمجة هذا النوع من الحواسيب نرى أننا سنحتاج إلى فهم آلية الحوار (Dialog) التي يقوم بها الإنسان. واستخدام آلية مشابهة في بناء لغة البرمجة. وتشير الدراسات إلى وجود معلومات سياقية (Contextual Information) في أدمغة المتحاورين. يتم تعديل هذه المعلومات واستخدامها من أجل فهم الحوار. الأمر الذي يوفر عملياً عملية التفصيل الزائد Overspecifing التي تعاني منها لغات البرمجة الحالية.

وبالتالي ومن أجل تحقيق بعض المهام التي يمكن للإنسان أن يحققها بكفاءة، نقوم باستخدام المنطق والعبارات والرموز الرياضية. وهذا ما أشار إليه Dijkstra في مقالته، حيث قال أنه باستخدام هذه الطريقة يمكن للناس الأقل ذكاءاً إنجاز بعض المهام التي ينجزها الناس الأكثر ذكاءاً. والواقع أن Dijkstra يفترض ضمنياً أن الحواسيب ستبقى أقل ذكاءاً أو لن تقترب من إمكانيات العقل البشري الحسابية. ولكن ألا يفترض بنا أن نحاول أن نرفع من إمكانيات الحواسيب بدلاً من أن ننزل – نحن –

  

0 comments:

Post a Comment

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Facebook Themes